الشيخ محمد رشيد رضا
592
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
القرون الخالية ومن كلام العلماء في ذلك قول الواحدي عن عامة أهل العلم إن من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان إيمانه أزيد . وقال الكرخي ان نفس التصديق بقبل القوة وهي التي عبر عنها بالزيادة للفرق المميز بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات ويقين آحاد الأمة . وضرب الغزالي مثلا لتفاوت قوة الايمان وسائر أنواع العلم بمن يرى شبح إنسان في السدفة ثم يراه بعد وضوح الاسفار على بعد فلا يميز صفاته ثم يراه في نور الشمس بجانبه فهل يكون علمه به في كل هذه الأحوال واحدا ؟ وجملة القول أن زيادة الايمان ثابتة بنص هذه الآية وآيات أخرى كقوله تعالى في سورة آل عمران في وصف الذين استجابوا للّه والرسول إذ دعاهم إلى القتال بعد ما أصابهم القرح في غزوة أحد ( 3 : 123 الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ) وفي معناه قوله تعالى في سورة الأحزاب ( 33 : 22 وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً ) وعطف التسليم على الايمان هنا يؤيد كون المراد به إيمان القلب لا العمل . وفي معناه قوله تعالى في أول سورة الفتح ( 48 : 4 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ ) فهو في إيمان القلب كما هو المتبادر . وأما آيتا أواخر التوبة ( 9 : 125 و 126 ) وآية سورة المدثر ( 74 : 31 ) فما يحتمل أن تكون زيادة الايمان فيها زيادة متعلقة بما نزل من القرآن . على أن البخاري استدل بآيتي التوبة وأمثالهما على زيادة الايمان في القلوب وعليه جمهور السلف . بل حكى الاجماع عليه الشافعي وأحمد وأبو عبيد كما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره . فمن العجب بعد هذا أن تنقل هفوة لبعض العلماء أنكر فيها زيادة الايمان بالمعنى المصدري لشبهة نظرية ويجعل مذهبا يقلد صاحبه فيه تقليدا ، وتؤول الآيات والأحاديث لأجله تأويلا ( الصفة الثالثة ) قوله تعالى وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي يتوكلون على ربهم وحده لا يتوكلون على غيره ولا يفوضون أمورهم إلى سواه عز وجل كما أفاده تركيب الجملة . وعن ابن عباس قال : لا يرجون غيره . والتوكل أعلى مقامات التوحيد ، فان من كان موقنا بان ربه هو المدبر لأموره وأمور العالم كلها لا يمكن